من المختارات لكم (150): الرد على الرافضة في شبهة إغضاب أبي بكر رضي الله عنه لفاطمة رضي الله عنها
شبهة رافضية ودحضها
إغضاب أبي بكر رضي الله عنه لفاطمة رضي الله عنها
تكرر
من بعض الرافضة المجادلين الاحتجاج بأن من أغضب فاطمة رضي الله عنها فقد أغضب رسول
الله، ومن أغضب رسول الله فقد آذاه، ومن آذاه فهو في النار، كما قال تعالى: {إِنَّ
الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا} [الأحزاب: 57].
ثم قالوا: روى البخاري في "صحيحه" (5/ 21) عندنا أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم، قال: «فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني».
فإذا
كان كذلك فإن البخاري روى في صحيحه (4/ 79) أن فاطمة - عليها السلام - ابنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه
وسلم، أن يقسم لها ميراثها، مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله
عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا نورث، ما تركنا
صدقة»، فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث.
ثم قالوا: ها هو قد أغضبها فهو بذلك يغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يكون
قد آذى رسول الله، ومن آذاه في النار.
فــيـــقـــال:
هذا
همط من القول ودجل وهي شبهة قديمة للرافضة قد بين بطلانها غير واحدٍ من العلماء
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" وغيره، والرد عليهم من
وجوه.
الوجه الأول: أن الخبر حجة عليهم لا لهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال:
«فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني»، قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لما أراد الزواج من بنت أبي جهل، كما جاء في صحيح
البخاري (5/ 22) عن المسور بن مخرمة، قال: إن عليا خطب بنت أبي جهل فسمعت بذلك،
فاطمة فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب
لبناتك، وهذا علي ناكح بنت أبي جهل، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعته
حين تشهد، يقول: «أما بعد أنكحت أبا العاص بن الربيع، فحدثني وصدقني، وإن فاطمة
بضعة مني وإني أكره أن يسوءها، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وبنت عدو الله، عند رجل واحد» فترك علي الخطبة.
وهذا
موجود في كتب الرافضة وجاء فيها: «يا علي؛ أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا
منها، فمن آذاها فقد آذاني، من آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن
آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي» ينظر: "علل
الشرائع" للقمي (ص185، 186).
فهل
يكون علي بن أبي طالب يوما ما داخلاً في هذا التهديد؟ وقد أغضب فاطمة وأغضب رسول
الله صلى الله عليه وسلم؟
فإن
قيل بأن علي بن أبي طالب قد تاب من ذلك فهذا ينقض قول الرافضة بعصمته رضي الله عنه.
ومثله
ما رواه البخاري (1/ 96) عن سهل بن سعد، قال: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم
بيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت، فقال: «أين ابن عمك؟» قالت: كان بيني وبينه شيء،
فغاضبني، فخرج، فلم يقل عندي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان:
«انظر أين هو؟» فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهو مضطجع، قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى
الله عليه وسلم يمسحه عنه، ويقول: «قم أبا تراب، قم أبا تراب».
ففي
الحديث أن علي بن أبي طالب غاضب فاطمة رضي الله عنها، فهل يدخل في الوعيد؟
الوجه الثاني: أن الذم إنما في إغضاب فاطمة رضي الله عنها بغير حق، فهذا
داخل في إغضاب النبي صلى الله عليه وسلم، أما لو أغضبها أحدٌ بحق فلا تثريب في ذلك
ولا عيب، وأبو بكر عندما منع فاطمة من الإرث وغضبت فالحق مع أبي بكر، فقد قال: لست
تاركا شيئا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن
تركت شيئا من أمره أن أزيغ، فقد مضى في ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا
نورث، ما تركنا صدقة».
ومن
ذلك حديث سهل بن سعد السابق، فعندما أخبرت فاطمة أن علياً غاضبها، لم يغضب النبي
صلى الله عليه وسلم على علي بل لاطفه وقال: «قم أبا تراب، قم أبا تراب»، فدل على
أنه ليس كل إغضاب لها رضي الله عنها يلزم منه إغضاب النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجه
الثالث: بعد ثبوت إغضاب علي رضي الله عنه لفاطمة في قصتين مختلفتين، فإغضاب علي
رضي الله عنه كان أشد لأنه كان إغضاباً لغرض نفسه، وأما أبو بكر فإنما أغضبها
وآذاها قياما بأمر أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الرابع: إذا كان المراد من عدم إغضاب فاطمة رضي الله عنه وأذيتها هو
عدم إغضاب النبي صلى الله عليه وسلم وأذيته، فأبو بكر إنما أراد عدم إغضاب النبي
صلى الله عليه وسلم وأذيته بمخالفة سنته في ذلك، ومعلوم أن فاطمة لو طلبت من النبي
صلى الله عليه وسلم ما يخالف شرع الله لكان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو
المقدم، وهو القائل: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
الوجه الخامس: روى ابن وهب في "الجامع" (ص549) عن علي بن أبي
طالب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا من هذا العلم قبل أن ينفد»
قال رجل: وكيف يا رسول الله , وكتاب الله بين أظهرنا؟ فغضب رسول الله عليه
السلام، ثم قال: «ثكلتك أمك، وهل هلك أهل التوراة، والإنجيل إلا والتوراة
والإنجيل بين أظهرهم؟ فهل أغنت عنهم شيئا؟».
فهذا
فيه غضب النبي صلى الله عليه وسلم على علي، ولكن ليس هو غضب المقت والكره، فليس كل
إغضاب مقامه مقام الذم والكره، فقد يكون مقامه مقام اللوم والعتاب، والحث والتربية
كما في هذا الحديث.
والله
أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
بدر بن علي بن طامي العتيبي
الأحد 10 شوال 1447هـ
تعليقات
إرسال تعليق