من المختارات لكم (152): الرد على منشور (رد ابن فيروز على ابن عبدالوهاب قراءة نقدية) وما فيه من المكر والتلبيس.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم نبينا محمد، وعلى آله
وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد وصلني مكتوب منشور عبر وسائل التواصل منسوبٌ لبعض
المتخبطين في مسائل "الأسماء والأحكام" تحت عنوان: «رد ابن فيروز على
ابن عبدالوهاب -قراءة نقدية!-» وما كتبه في حقيقة الحال ما هو إلا قراءة تصحيحية! واقتراحات إرجائية من ذلك الجاهل إلى ابن
فيروز الأحسائي في دفاعه عن دين المشركين لو
أدركها ابن فيروز لبالغ في شكر هذا الكاتب! وما نبه عليه مما هو جدير بالذكر فيما
يراه.
حيث ذكر هذا الدارس أن ردَّ ابن فيروز هزيلٌ لا تنهض به حجة، لأنه
اقتصر في الرد على الإمام محمد بن عبدالوهاب على مجرد إثبات صلاح أهل نجد وصلاتهم
وصومهم وأنهم ليسوا مشركين!
وزعم صاحب الدراسة بأن الرد الصحيح على محمد بن
عبدالوهاب بمناقشته في أمرين اثنين:
الأول: أن فعل من كفرهم الشيخ
محمد ليس من الشرك الأكبر.
والثاني: أنهم فعلوا ذلك متأولين وجاهلين،
والمتأول والجاهل معذور!
ولا أحسب هذا الجاهل المأفون لو كان حياً في عهد الإمام محمد
بن عبدالوهاب إلا وهو من ركب ذلك القتَّات الفاجر السَّاعي بالفجور ابن فيروز،
لأنه في كلامه المشار إليه يصحح له الرد على الإمام محمد بن عبدالوهاب، ويرشده إلى
ما يراه أقوى في الرد عليه، بما هو معلومٌ من مذهب هذا الكاتب، وشغبه في كثير من
الأعمال الشركية بأنها ليست من الشرك، وكذلك مخالفته الصريحة بتوسعه في الإعذار
بالتأويل والجهل؛ حتى أصدرت اللجنة الدائمة للإفتاء فتوى ذائعة في التحذير منه في
ذلك وأنه على مسلك أهل الإرجاء.
وهذا الرجل -وله أشباه بين ظهرانينا- وإن زعموا الدفاع عن
الدعوة السلفية من جانب بيد أنهم خصومٌ جُدُد لدعوة التوحيد، وما عليه الإمام محمد
بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى، من جوانب أخرى كهاتين المسألتين:
[1] مسألة التوحيد والشرك، والفارق بينهم، وتحرير معنى
العبادة.
[2] ومسألة "تكفير المشركين".
وربما ظهروا للناس بنصرة دعوة الإمام، ونشر كتبه، وشرحها،
كـ"نواقض الإسلام" و"كتاب التوحيد" ثم هم يخالفونها، ويناقضون
أصولها في أهم مهمات المعاني التي عليها مدار دعوة الإمام رحمه الله تعالى.
وابن فيروز -محمد بن عبدالله بن فيروز التميمي الأحسائي
(1142-1216هـ)- ضالٌّ مُضلٌّ، قال عنه الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى
كما في "الرسائل الشخصية" (ص: 206): «ولكن تعرف ابن فيروز أنه أقربهم
إلى الإسلام وهو رجل من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ وابن القيم خاصة، ومع هذا صنف
مصنفاً أرسله إلينا قرر فيه أن هذا الذي يفعل عند قبر يوسف وأمثاله هو الدين
الصحيح».
ويقول (ص: 216): «بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح بن عبد الله وأمثالهما،
كفراً ظاهراً ينقل عن الملة فضلاً عن غيرهما».
فهو من أشد خصوم دعوة التوحيد ضلالا ومكراً وعنادا، وعامة من
أساء القول في دعوة الإمام بالأكاذيب والفرى إنما كان ذلك من وراء ما كان يكتب به
ابن فيروز للدولة العثمانية، وللعلماء في المشرق والمغرب من الأكاذيب والفرى.
حتى قال المؤرخ عبدالرحمن العثيمين رحمه الله في تعليقته على
"السحب الوابلة" (ص969) عن ابن فيروز: «حامل لواء المعارضة ضد الشيخ المجدد
الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، وملجأ خصومها ومعارضيها».
ويقول ابن حميد صاحب "السحب الوابلة" (ص973): «كاتب
السلطان عبدالحميد خان يستنجده على قتال البغاة الخارجين في نجد!».
ويقول الشيخ البسام في "علماء نجد" (2/539) عن تلميذه
اللدود عبدالله بن داود وأثر ابن فيروز عليه: «قد شرب من مشايخه "وأعظمهم
محمد بن فيروز" عداوة للدعوة السلفية في نجد وزعيمها الشيخ محمد بن عبد
الوهاب - رحمه الله - لذا فإنه من أشد الجادين في مجابهتها ومعارضتها، وقد صنف في
الرد عليه كتابا سماه "الصواعق والرعود في الرد على ابن سعود"، إلا أن
الله قد أبقى هذه الدعوة الطيبة في نمو وتقدم وتوسع في المشارق والمغارب وذهبت
رعوده وبروقه خلبا فالحمد لله على المعتقد الحسن».
ويقول ابن بشر في حوادث 1211 عن ابن فيروز: «وسعى كثير من
الجالين من أهل نجد في الزبير والبحرين والكويت وغيرهم، وكاتبوا باشا بغداد
-سليمان باشا- وحرضوه وزينوا له ذلك، وكاتبه كثير من الرؤساء والعلماء سيما محمد
بن فيروز فإنه الذي يحكم ذلك ويبذل جهده».
ولذلك تجده يقول في قصيدته وهو يستنهض ثويني السعدون لقتال أهل
نجد:
ألا ماجدٌ تأخذه
في الله نخوةٌ يغيث فيولي من
محامدنا سمطا
ويقول في الأخرى بعد هلاك الأول وفشله يستنهض همة سليمان باشا
لإرسال حمود بن ناصر السعدون:
فقــومــوا لأخــذ
الثــأر قـومـة ماجـدٍ
بــعـيــدٍ
عــن الـعـورا غـيــور ولا غرُّ
ألا فانفروا نحو
العدى وابذلوا القوى
خــفـافـا ثقـالاً
ثبّـت في اللقا صبرُ
ألا فــاطـلـبـوا
ثــأراً عــزيـــزاً فـإنّـــه
ببيض الظبي
والسُّمر يستدفـــع الأمـرُ
وأرجو من القرم
الحلاحل ذي العلا
سليمان ذي
الإفضال أن يُسهل الأمر
وأن يحــسم
الأدوا ويـسـتـأصـل العدا
ليــدرك فخــراً
في الــورى إنه الفـخــرُ
وله قصائد أخرى مليئة بالكذب والتهييج ضد دعوة التوحيد.
فأين صاحب الدراسة عن قول ابن فيروز في كتابه
"الرد على من كفّر أهل الرياض" (ص25): «تقرر وظهر عند الخاص والعام
أن ابن عبدالوهاب كفر جلة من المسلمين منهم أهل الرياض وغيرهم، وأباح دماءهم
وأموالهم ... وسبى ذراريهم ونهب أموالهم..»؟
من الذين كفرهم الإمام محمد غير المشركين المعاندين؟
ومن الذي قاتلهم غير أعداء الدين الذين بادروه هم بالقتال والتضليل
والتكفير؟
وأين كان هذا السبي المزعوم؟
وأين استحلال ما حرم الله من الدماء والأموال؟ وهو الذي ينادي
الدولة الصوفية لاستباحة دماء المسلمين.
أين صاحب الدراسة عن فرى ابن فيروز التي لا
يقولها من في قلبه ذرة إيمان وحياء، كما جاء في مقدمته لكتاب ابن داود (ص27): «فإني
أذكر في هذه الأوراق شيئاً من نشأة الطاغية المرتاب، المحيي لما اندرس من أباطيل
مسيلمة الكذاب، المنسوب إلى المرحوم الشيخ -وأرجو أنه ليس له!- بل لعل الشيخ غفل
عند مواقعة أمه عن الوارد فسبقه الشيطان إليها فكان
أبا هذا المارد ...» ؟
أين صاحب الدراسة عما حشاه ابن فيروز في
مقدمته لكتاب ابن داود من الكذب والبهتان على الشيخ محمد، وأنه كان ينكر كتب
الأحكام بل ويحرقها، ويكره الكلام في الفقه، ويستهزئ بكتب الشريعة، ويحب القراءة
في كتب مدّعي النبوة، وأنه يكفر من لا يصدقه ولم يهاجر إليه.
يقول الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن في "مصباح الظلام"
(1/ 149-151): «بل آثار ابن فيروز في الصد عن سبيل الله، ومسبة أئمة الإسلام، وجعل
شيخ الإسلام طاغوتا يجب الكفر به؛ معروف مشهور عند أهل الإحساء وغيرهم كما قال في
منظومته التي أولَها:
أنامل
كف السعد قد أثبتت خطا
بأقـلام أشياخ لنا حـــررت ضبطاً
فإنه أقذع فيها، وأتى من نصرة عبادة القبور، وأهل الغلو في
الأنبياء والصالحين، وتسمية من أنكر هذا طاغوتاً، بما يدل على آثاره ونفعه في
البلاد والعباد، فإن كان هذا عند المعترض هو العلم ونفع العباد والبلاد فنعم؛ هذا
صار منه، ومدحه به، وأثنى عليه كل مشرك بالله ربِّ العالمين، يسوى بين الله وبين
خلقه في خالص حقه، وقد اتَّخذ أعداء الدين منظومته نزهة لمجالسهم وتحفة لأشياعهم
... ولابن فيروز رسائل ومصنفات في الصد عن سبيل الله، ورد ما جاء به شيخنا من
الدعوة إلى الله، وتجريد المتابعة لرسوله، وهي باقية يتداولها كل زائغ مرتاب، كهذا
المعترض ولو كلف أن يأتي عن ابن فيروز بمسألة واحدة انتفع بها الناس في بيان
التوحيد وأصل دين المرسلين، وإبطال ما عليه أكثر الناس من عبادة الصالحين لما وجد
إلى ذلك سبيلاً».
أما ما دعا إليه هذا الدارس مما يستحسن ويقوي الاعتراض به على
شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى في "حقيقة الشرك الأكبر" و"تحقيق معنى العبادة"
و"حكم المشركين وإن كانوا متأولين وجاهلين"،
فمهما تكلم به هو أو من جاء منبهاً له من قبل ومن بعد فقد تكلم شيخ الإسلام محمد
بن عبدالوهاب في حقيقة التوحيد والعبادة، وبيان معنى الشرك بأتمَّ الكلام في
العديد من مصنفاته وفتاويه ورسائله، وكذلك طلابه وأحفاده من بعده، ولم يكفر شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبدالوهاب والأئمة من
بعده بشيء ليس من الكفر والشرك الأكبر، بل كل ما ذكروا أنه من الشرك الأكبر الموجب
للخروج عن الإسلام محله محل اجماع بين العلماء أجمعين، وعامة ما كان
شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب يكفر به، ما جمعه بنفسه في رسالته المباركة
"نواقض الإسلام" وكلها الأكثر انتشارا في زمانه وبعد زمانه،
والأكبر خطراً، وكلّها محل إجماع بين علماء المسلمين، ولم يكفر شيخ
الإسلام رحمه الله بأمر مختلف فيه، ولا بما هو محل اشتباه وتردد بين الكفر والشرك
وعدمه.
وعامة ما صرّح فيه بأنه من الشرك الأكبر جاء من كلام العلماء
السابقين من المذاهب الأربعة ما يؤيد كلامه، ويصدق قوله، وهذا مشهور ومنشور في
مؤلفاته رحمه الله تعالى.
وكذلك حكم المتأول والجاهل -وهذه المسألة آخية المسألة السابقة
التي ضل فيها هذا الدارس ضلالاً مبينا- وكلام الإمام فيها مشهور ومعلوم، وتقريراته
واضحة جلية في رسالته "مفيد المستفيد" و"تكفير المعين" رسالته
لأحمد بن عبدالكريم، وغير ذلك، وأنه ليس كل تأويل ولا جهل يدفع الكفر، وأن التأويل
والجهل في المسائل الجلية الواضحة التي عليها يقوم الدين لا يقبل، وأما التأويل
والجهل في المسائل الخفية فهذا محله القبول والعذر في كلام الشيخ الإمام، وكلام
الأئمة من قبله، كما بينته في كتابي "براءة الشيخين من إعذار الجاهلين بتوحيد
رب العالمين" وبينه قبلي الشيخ عبدالرحمن بن حسن في الرد على عثمان بن منصور،
وكذلك الشيخ عبدالله أبا بطين في "الانتصار لحزب الله الموحدين" والشيخ
إسحاق بن عبدالرحمن في رسالته "تكفير المعين" وغير هؤلاء.
فما ينادي به هذا الدارس ما هي إلا نفثة من نفثات ضلاله وإن
زعم اتباع الإمام والعناية بكتبه، فإنما كانت موفقته له في بعض جوانب دعوته، وهو
مخالف له في أهم أصول دعوته دعوة التوحيد.
بل هذا الرجل الملبس رأيته يشاغب حول الأصول الأربعة التي يذكر
شيخ الإسلام في غير موطن أن عليها أصول دعوته -كرسالته لمحمد بن عيد مطوع ثرمداء
وغيرها- وهي:
[1] تحقيق معنى التوحيد.
[2] تحقيق معنى الشرك.
[3] تكفير المشرك.
[4] قتال المشركين.
ومن نظر في كلام هذا الدارس الجاهل يجده يتعقب الشيخ في كل
أصلٍ من هذه الأصول في غير مؤلفٍ من مؤلفاته، بل ولا سلم منه من هو أجل وأعلم وأقدم
منه كشيخ الإسلام ابن تيمية حيث وجدته يستدرك عليه من وراء أوهام النظر والبحث
الأكاديمي! ودعاوى العدل والانصاف.
وخلاصة القول:
أن رعونة هذا الدارس في موقفة من ابن فيروز، وإرشاده -مذهباً
ومسلكاً وإن كان من الهالكين من سنين عديدة- بالطريقة التي يتوهم أنها أقوى في
الرد والنظار، كل هذا يدل على مبلغ خبث هذا الكاتب وحقده على دعوة الإمام محمد بن
عبدالوهاب، والله لا يصلح عمل المفسدين.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه
أجمعين.
وكتب
بدر بن علي بن طامي العتيبي
الأربعاء 19 ذو القعدة 1447هـ
الرياض – حي الربوة
تعليقات
إرسال تعليق