من المختارات لكم (130): نفي نسبة كتاب الحرف والصوت للنووي


عدم صحة نسبة كتاب
«جزءٍ فيما يجب اعتقادُه عند علماءِ السَّلف في الحروفِ والأصوات»
للحافظ يحيى بن زكريا النووي
*****
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد سئلتُ غيرَ مرةٍ عن كتاب «جزءٍ فيما يجب اعتقادُه عند علماءِ السَّلف في الحروفِ والأصوات» المنسوب للحافظ أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، المطبوع بتحقيق أبي الفضل أحمد بن علي الدمياطي وفقه الله، طبع دار الأنصار للنشر والتوزيع.
فأقول:
الصواب عدم صحة نسبة الرسالة إلى الحافظ النووي رحمه الله تعالى، وذلك بعدة أدلة:
أولها: أنَّ كلّ من ترجم له لم يذكرها ضمن مؤلفاتِه، خاصة لانفرادها بمسألة عقدية! مع قلة كلامه في الاعتقاد، فمثله جدير بالإشهار والذكر والإظهار، وقد ذكروا من مؤلفاته: التام والناقص، والطويل والقصير، والفتاوى، والرسالات، فكيف لم يذكروه؟
والثاني: أن المحقِّقَ لم يذكر شيئاً عن صحة نسبة الرسالة إلى مؤلفها بالطرقِ العلمية المعتبرة عند العلماء، ومجرد إيراد اسم كتاب "التبيان بآداب حملة القرآن" لا يكفي لأن الكتاب الذي ذكرت فيه هذه الإشارة: مفتقرٌ لإثبات كونه له.
والثالث: أن المخطوط مجهولُ النسبة والثبوت، فلم يتكلم عنه المحقِّق! ولا عن مصدرِ الوصول إليه؛ موطناً ورقماً، ولا عن ناسخه، وما يتبع ذلك من الطرق العلمية في إثبات صحة ثبوت المخطوطات.
وله نسخة أخرى متأخرة عنه فيما يبدو من محفوظات جامعة الرياض، (9ر211) برقم (2284) وفي خاتمتها أسطر من فتاوى ابن الصلاح في تقرير التفويض في مسألة الكلام، والحال في تحقيق النسبة كسابقتها.
الرابع: أن المخطوط جاء على طُرَّته بنفس خط مضمونه «تأليف الإمام العالم العلامة أبو هكذا- زكريا النواوي رحمة الله عليه» أي أنه كُتب بعد موته، فهو نسخة لا يٌدرى من ناسخها، وليست هي بخط النووي جزماً.
الخامس: أن النَّاسخ حلَّى النووي بوصفه بـ: «إمام الشافعية في وقته» ومع جلالة النووي، لكنّه لم يكن إمام الطبقة في وقته، فهذا يدل على قصر معرفته بالنووي.
السادس: أن صدر الرسالة يوحي أن النووي هو الذي سيجمع للسائل: «زبد أقوال المتقدمين وغاية ما عولوا عليه من الاعتقاد في الحروف والأصوات، وما نقل عنهم في ذلك من الاختلافات، والتنصيص على ما ذهب إليه علماء الشرع ونقلة الأحاديث الثقات، سالكاً في ذلك طرق متأخري المتكلمين في المباحثات، جارياً على قواعد أهل النظر والمجادلات، مختصراً لفظه بأوضح العبارات الوجيزات، من غير تعصبٍ وميلٍ بل رغبة في إظهار الحق ونصرة لما سلف عليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين وجمعنا وإياهم في دار كرامته وسائر أحبابنا ومشايخنا وإخواننا إنه أجود الأجودين وأرحم الراحمين، وأروي له ما ثبت به النقل عن سيد المرسلين وأشرف خلق الله من الأولين...».
ولم يكن منه ذلك في كلّه! بل أكثر الكتاب منقول من غيره، ومن كان سينقل كلام غيره غير حسنٍ منه أن ينسب ذلك لنفسه بأنه سيجمع كلام المتقدمين ويرد على المخالفين، فليس للنووي في تحقيق المسألة جهدٌ بعد ذلك إلا مجرد النسخ، فهو إما أن يعتذر للسائل بأنني سأنقل لك كلامَ من فصّل في المسألة وتكلَّم فيها، أو أن يحقق هو ما وعد به من البيان من قوله لا من منقوله، ومن هو في مثل رتبة النووي علماً فهماً أهل للاستغناء عن كلام غيره.
السابع: أنه قال في مقدمته: «سالكاً في ذلك طرق متأخري المتكلمين في المباحثات، جارياً على قواعد أهل النظر والمجادلات، مختصراً لفظه بأوضح العبارات الوجيزات» وهذا مما لم يحصل في الكتاب، لا في منقوله من كلام الأرموي ولا من كتاب "التبيان"، مما يدل على أن المقدمة ملفّقه.
الثامن: مما يؤكد التلفيق بين المقدمة والمضمون، قوله: «فجاء هذا المختصر بحمد الله أنيساً للحاضر وجليساً للناظر، وقسمته بحمد الله فصولاً مشتملة على فنون من القواعد ونفائس من العقائد»، وليس هو من قسَّم الكتاب! فهو كلام غيره، وليس فيه حقيقة ما أشار إليه من فنون القواعد ونفائس العقائد، وإنما عدة فصول مع جلالتها- في تحقيق الإنزال والصوت والحرف.
التاسع: قوله في المقدمة: «مما جمعته من كتب العلوم» وهذا يخالف المضمون، فليس فيه إلا نقل مطول من كتاب غيره، وأبواب من أحد كتبه! وهذا يؤكد تلفيق المقدمة على المضمون.
العاشر: نقله من (ص17) إلى (69) عمن سماه بـ: «الشيخ الجليل الإمام المتقن الحافظ الأوحد فخر الدين أبي العباس أحمد بن الحسن بن عثمان بن الأرموي الشافعي رضي الله عنه فيما صنفه في كتابه الموسوم" بغاية المرام في مسألة الكلام"» وهذا الرجل لم أجد له ترجمة ولا ذكراً في كُتبِ الرجال، وعلماء الشافعية! وخفاء اسمه مع ضخامة ألقابه المذكورة من الإمامة والحفظ والأوحدية! ويحتاج إليه عالم كبير كالنووي يثير العجب أكثر في غموض الأمر، وغرابة الحال، ويضاف إليه الوجه التالي:
الحادي عشر: وهو أن هذا الرجل كما وصفه الواصف بأنه شافعي بل إمام في الشافعية! ومع ذلك لم ينقل عن شافعي واحدٍ مقالة واحدة في المعتقد! إلا في ثلاثة مواطن عن الإمام الشافعي! (ص26 -62 -65) بينما نقل الكثير عن الإمام أحمد ومالك وبعض الحنابلة كابن الزاغوني وغيره، ونصب الخلاف للأشاعرة الشافعية! كالأشعري والاسفراييني والقشيري والجويني (27-28) مع أن قولهم قال به آخرون من المذاهب الأخرى، فلم يذكرهم.
الثاني عشر: أن الكتاب في إثبات الحروف والأصوات، وذكر أنه سينقل في تحقيق هذه المسألة ما أودعه في كتاب "التبيان بآداب حملة القرآن" فكان الأجدر أن لا ينقل منه إلا ما يدعم هذا الأصل أعني مسألة الحرف والصوت- ولكن الواقع أنه نقل (ص70-78) أخباراً في فضيلة حملة القرآن ونقلته، وتفسيره، والجدال فيه، وسماع الكافر له، والاستشفاء بكتابته، ونقشه على الحيطان والأبواب، وآداب كتابة المصحف، وصيانته، والطهارة لحمله، وحجبه عن الصبي والمجنون!  وليس في تلك الورقات المنقولات ما يدعم المسألة إلا موطن واحد بمعدل ورقة واحدة! وباقي ما جمعه خارج عن المراد، وإيراده لا موجب له في كتاب يزعم صاحبه أنه صنفه للكشف والإيضاح والرد على المخالف.
فكل هذه الوجوه تثبت عدم صحة نسبة الرسالة للنووي رحمه الله، وأن الناسخ أراد أن يسوق كلام الأرموي لأي سببٍ سياسي أو مذهبيٍّ كان- من وراء اسم النووي رحمه الله بهذه الرسالة، فمن الخطأ نقلُ أي كلامٍ من هذه الرسالة ونسبته إلى النووي، وقد جاء فيها عن كاتبها (ص69): «وهذا الذي ذكرناه جميعه من كلام الشيخ أبي العباس الأرموي - رحمه الله -» فليس الكلام كلام النووي أصلاً.
ومما يجدر التنبيه عليه أمران:
الأمر الأول: أن كلام الأرموي فيه تجاوزات في بعض الألفاظ في إطلاق قدم الحروف من غير تفصيل واضح بيِّن، إلى حدٍّ أنه قد يفهم منه قدم صوت القارئ! وقدم أعيان الحروف! ومن تأمل بعض كلامه يجد أنه عُرضة لبعض اللوازم الباطلة، ولو تقيد بمنطوق السلف وعبارتهم لكان أولى.
ومثله إشارته (ص23) عدم إثبات حوادث لا أول لها! وحول هذا الكلام من الكلام ما لا يخفى.
والأمر الثاني: أن مجرد الإيمان بأن الله تعالى تكلم بالقرآن بحرف وصوت، قد يقول به بعض أهل البدع من الكلابية وغيرهم، مع نفيهم أنه يتكلم بمشيئته وقدرته، ولم أجد في كلام الأرموي ما يخلصه من مذهب الكلابية! وأن الله يتكلم بقدرته ومشيئته متى شاء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموعة الرسائل والمسائل" (3/ 43-44) في كلامه عن الطوائف المخالفة في مسألة الكلام، وذكره للكلابية: «والطائفة الأخرى التي وافقت ابن كلاب على أن الله لا يتكلم بمشيئته وقدرته، قالت: بل الكلام القديم هو حروف أو حروف وأصوات لازمة لذات الرب أزلاً وأبداً لا يتكلم بها بمشيئته وقدرته ولا يتكلم بها شيئاً بعد شيء، ولا يفرق هؤلاء بين جنس الحروف وجنس الكلام وبين عين الحروف قديمة أزلية، وهذا أيضاً مما يقول جمهور العقلاء أنه معلوم الفساد بالضرورة، فإن الحروف المتعاقبة شيئاً بعد شيء يمتنع أن يكون كل منها قديماً أزلياً وإن كان جنسها قديماً، لإمكان وجود كلمات لا نهاية لها وحروف متعاقبة لا نهاية لها، وامتناع كون كل منها قديماً أزلياً، فإن المسبوق بغيره لا يكون أزلياً، وقد فرق بعضهم بين وجودها وماهيتها فقال: الترتيب في ماهيتها لا في وجودها، وبطلان هذا القول معلوم بالاضطرار لمن تدبره، فإن ماهية الكلام هو حروف لا يكون شيئاً بعد شيء، والصوت لا يكون إلا شيئاً بعد شيء، فامتنع أن يكون وجود الماهية المعينة أزلياً متقدماً عليها به، مع أن الفرق بينهما لو قدر الفرق بينهما، ويلزم من هذين الوجهين أن يكون وجودها أيضاً مترتباً متعاقباً.
ثم من هؤلاء من يزعم أن ذلك القديم هو ما يسمع من العباد من الأصوات بالقرآن والتوراة والإنجيل أو بعض ذلك، وكان أظهر فساداً مما قبله، فإنه يعلم بالضرورة حدوث أصوات العباد».
تــتــمــة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في "مجموع الفتاوى" (12/ 69): «وأما قول القائل: إن الحروف قديمة أو حروف المعجم قديمة فإن أراد جنسها فهذا صحيح وإن أراد الحرف المعين فقد أخطأ فإن له مبدأ ومنتهى وهو مسبوق بغيره وما كان كذلك لم يكن إلا محدثا. وأيضا فلفظ الحروف مجمل يراد بالحروف الحروف المنطوقة المسموعة التي هي مباني الكلام ويراد بها الحروف المكتوبة ويراد بها الحروف المتخيلة في النفس والصوت لا يكون كلاما إلا بالحروف باتفاق الناس».
وختـــــــاماً:
النووي رحمه الله تعالى من علماء الإسلام، وهو على عقيدة متأخري الأشاعرة، ومع قلة كلامه في الاعتقاد إلا أنه دائما يحيل القول في الصفات إلى التفويض البدعي، أو التأويل، وهذا مطّرد في شرحه لصحيح مسلم، مع ما لديه من تأويل للكثير من الصفات في شرحه المذكور، وفي غيره من مصنفاته كـ: رياض الصالحين، والأذكار، ونحوها.
ونسأل الله تعالى أن يغفر له، وأن يتجاوز عنه، والحق ما عليه سلف الأمة، وعلماء الإسلام الكرام من مقابلة نصوص الصفات بالقبول والتسليم، والإقرار والإمرار، من غير صوارف الجهمية البدعية من: التعطيل والتمثيل والتأويل والتجهيل، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
كتبه
بدر بن علي بن طامي العتيبي
ضحى يوم الاثنين 14 رجب 1441
الطائف

تعليقات

  1. الإمام النووي سلفي وتراجع عن الأشعريه : الشيخ صالح العصيمي

    https://youtu.be/jDpzmVO5828

    ردحذف
    الردود
    1. كلام الشيخ بدر مدعوم بالدليل خلافا لكلام الشيخ صالح

      حذف
  2. يعني الحرف التي نتكلم بها جنسها قديم ؟!
    هل الحروف العربية أم العبرية أم السريانية أم ماذا ؟!!!
    هل ربنا سبحانه يتكلم جميع اللغات بمعنى هو صفة له ؟!!!
    ما هو الحرف الذي هو صفة له سبحانه أهو الحرف العربي أم العبري أم السرياني أم ماذا؟؟!!؟

    ردحذف
  3. adidakarim48@gmail.com
    هذا email الخاص بي

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من المختارات لكم (147): الرد على دعدوش وكلامه في صراع نجد والحجاز ومن يحق له امتلاك الحرمين

من المختارات لكم (45): وقفات مع عقيدة حاتم العوني