الخميس، 11 يناير 2018

من المختارات لكم (123): غيرة الزبير بن العوام وحياء أسماء بنت أبي بكر

غيرة الزبير بن العوام وحياء أسماء بنت أبي بكر
ومقارنة ذلك بـ:
بلادة بعض أبناء الزمان!
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:
روى البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما -: قالت: «تزوجني الزبير، وماله في الأرض من مال ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه، - وفي رواية: غير ناضح، وغير فرسه - قالت: فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤونته وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، فأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه، وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، فكان تخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على رأسي، وهي على ثلثي فرسخ، قالت: فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ومعه نفر من أصحابه - وفي رواية: من الأنصار - فدعاني، وقال: إخ، إخ، ليحملني خلفه، قالت: فاستحييت وذكرت غيرتك - وفي رواية: فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس - فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أني قد استحييت، فمضى، فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب فاستحييت منه، وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى على رأسك أشد عليَّ من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني» .
في هذه القصة دروسٌ وعبر وفوائد:
أولها: أدب أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، وتقديمها العذر لسبب خروجها من البيت، وأن حاملها على ذلك انشغال الزبير عن الدنيا، فلا مال له ولا خادم، وإنما فرسه الذي يجاهد به في سبيل الله.
وهذا هو العذر المبيح المليح، فكيف بمن لا عذر له في الخروج من البيت إلا الفتنة والعياذ بالله؟!
والثانية: أن المرأة العاقلة لا يليق بها أن تعرض عن القيام بشؤون زوجها، وخدمته، ورعاية ماله، بل رأى بعض أهل العلم وجوب ذلك عليها مطلقاً، ومهما يكن من شيء فخدمة المرأة لزوجها دليل على حسن أدبها، وسمو أخلاقها، وجميل تربيتها.
فتأملوا كم عمل تقوم به أسماء بنت أبي بكر لزوجها؟
[1] تعلف فرسه.
[2] وتكفيه مؤونته.
[3] وتسوسه.
[4] وتدق النوى لناضحه [البعير الذي يستسقى فوقه الماء] وتعلفه.
[5] وتستقي الماء.
[6] وتخرز الغَرْب، [أي تخيط الدلو الكبير].
[7] وتعجن.
والثالثة: فضل نساء الأنصار وكرمهن، وتعاونهن فيما بينهن، وخدمة أسماء حتى في خبز العجين.
واليوم يأنف بعض النساء من تقديم خدمةٍ لجارتها، وتأفف من ذلك!
والرابعة: كرم النبي صلى الله عليه وسلم، وشفقته بأسماء، فأراد أن يحملها خلفه على الجمل، وهي أخت زوجه عائشة الصديقة، ونساء المؤمنين محارم له على الصحيح.
والخامسة: أن أسماء رضي الله عنها لم تركب الفرس ولا الناضح (الجمل) لكي تأتي بالنوى! وإنما ذهبت على رجلها.
وهذا فيه عدم جواز قيادة المرأة للسيارة.
والسادسة: حياء أسماء رضي الله عنها، فقالت: «فاستحييت أن أسير مع الرجال» فكيف بالتي تخرج للرجال، وتزاحمهم في الطائرات والدور والملاعب الرياضية؟
والسابعة: مراعاة الزوجة العاقلة لغيرة الرجل، هذا إذا كان في الرجل غيرة! فكيف بمن لا غيرة في قلبه، ولا حرارة في رجولته؟ فالرجل الغيور إن علمت منه زوجته ذلك عظم في قلبها حبّه، وزادت له خدمتها، وتحققت مراعاتها لغيبته، فتبتعد عن كل ما يثير غيرته.
وبعد هذا: أيبقى من الغيرة في قلوب بعض «الذكور» شيءٌ وهم يسوقون نسائهم من بنات وزوجات وأخوات إلى مواطن الرجال واجتماعهم؟ لكي يحضرن السينما! أو يصفقن ويرقصن في مدرجات ملاعب الرياضة؟!
والثامنة: رعاية الأب لشؤون ابنته حتى لو تزوجت، فأبو بكر رضي الله عنه لما علم بحاجة ابنته أرسل إليها خادماً يقوم عنها بما كانت تقوم به.
والتاسعة: جواز الإخبار عن الأب باسمه أو كنيته، كما قالت أسماء: «أرسل إليّ أبو بكر» وهو أبوها.
هذه بعض الفوائد الجلية من هذه القصة العظيمة، وفيها من خفايا الدروس والعبر الكثير، فمتى نرى في رجال المسلمين اليوم من شدة الغيرة، كغيرة حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي نساء المؤمنين حياءً كحياء ذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر الصديق؟! اللهم أصلح شأن المسلمين، وردنا إليك رداً جميلاً، والله الموفق.
كتبه
بدر بن علي بن طامي العتيبي
الخميس 24 ربيع الآخر 1439هـ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق