الجمعة، 20 مارس 2015

من المختارات لكم (75) : وجامية اختلقوها .... رد على ما كتبه ذيلُ الرَّكْبِ وصغير الغوغاء

وجامية اختلقوها ...!!
رد على ما كتبه ذيلُ الرَّكْبِ! وصغيرُ الغوغاء
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد أوقفني بعض الفضلاء على مقالٍ عنوانه (تاريخ الجامية) ملأه كاتبه بضروب الكذب والافتراء، والجهل والتخليط، على طبقٍ من نفخ الذات، وتعظيم النفس، ونا الفاعلين! حتى أوهم القارئ أنه غوث المتأخرين! وملاذ الهالكين، وما عُرفت الجامية المزعومة إلا بمقاله! وما علم بأنه ذيلُ الرَّكْبِ، وأصغر الغوغاء، وسيولي كما تولى من قبله الدبر! وينشد:
ولست بأولِ ذي همّة        دعته لما ليس بالنائلِ!
الكلام في الجامية المزعومة للناظرين فيه عبرٌ وخبر، من جهتين:
أولاهما: من جهة المخالفين المتخلفين! فما إن يريدوا أن يبرزوا غرّاً من أغرارهم إلا وطبَّلوا له وشجعوه على ذمِّ الجامية المزعومة! فكان من قواعد حزبهم (ذمَّ الجامية تصعد على سلّم الشهرة، وتمجد، ويُثنى عليك، وتوصف بالرباط والجهاد) كما سبق في وقتٍ مضى لطارق الطواري، والريمي اليمني في آخرين إلى إبراهيم الفارس مروراً بالمنفوخ عمر الزيد والنجيمي! فكلهم طاروا مع الرياح، ومع كلّ ذات جناح بعدما ذموا الجامية المزعومة، فجاء الركب إليهم سراعاً من (مشاهيرهم!) يصفقون لهم، ويسوِّقون أسماءهم بين الناس.
والجهة الثانية: سنة الله التي لا تتبدل، وتقديره الذي لا يرد، فما تكلم رجلٌ في أهل السنة، وشانهم بما هم منه براء، وآذاهم في أنفسهم إلا وأذله الله وقطع ذكره، وأعاده في الأذلين (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 62] فمن يخاصم أهل السنة إنما يخاصم اللهَ ورسولَه صلى الله عليه وسلم ويحاد دين الله و(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [المجادلة: 20، 21] .
فوالله ما جاءهم أهل السنة يطلبون سلطاناً، ولا مالاً، ولا شرفاً، ولا ترفاً، ولا شهرةً، ولا جمهوراً، وإنما جاءوا ينادونهم إلى التوحيد والسنة، وإلى القرآن والأثر، فحاربهم هؤلاء لذلك، وعادوهم أشد العداء، ورموهم بقوس واحدة من كلّ حدبٍ وصوب، وقلَّبوا لهم الأمور، واختلقوا لهم التهم، واخترعوا لهم الأسماء والألقاب (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: 112].
فتأملوا كيف أذلهّم الله واخزاهم ورفع ذكر أهل السنة؟ فيا بشراكم يا أهل السنة فأنتم الأعلون، وأهل البدع في الأذلين، لأن الله ناصركم، وقد قال الله تعالى في صادق قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربّه عز وجلّ: «من عادى لي وليا، فقد آذنته بحرب» وهذا حق، ولا ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالحق، ولا يقول الحق إلا الحق، فوالله ما عادى أهل السنة رجلٌ وآذاهم إلا أذله الله وأعماه، وختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة، وجعله في الأذلين.
فأين أبو جهلٍ وأبو لهب؟
وأين المرتدون الذين خالفوا أبا بكر وعمر؟
وأين الخوارج الذين مرقوا عن سبيل عثمان وعلي؟
وأين الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وابن أبي دؤاد والكرابيسي وابن عربي والحلاج وابن السرّاج والمنبجي وابن مخلوف والأخنائي والبكري والسبكي وابن عفالق وابن سحيم وعثمان بن منصور وابن جرجيس؟
كلهم عادوا في الأذلين، ولا يعرفهم الناس كما يعرف أهل السنة لأن أهل السنة والحق هم الأعلون بوعد الله تعالى وما كتبه على نفسه، وما أخبر به الصادق المصدوق بأنهم ظاهرون منصورون لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى قيام الساعة.
فالركب يلحق الركب، والسنة ماضية، والحق لا يتبدل (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) [الشعراء: 227].
لقد جرى الكاتب على خطى من قبله، وبنى مقاله على ثلاثة أمور عليها جرى من سبقه:
[1] نسج الأكاذيب بلا بينة!
[2] الاحتجاج بخطأ الفرد ونسبته إلى الجماعة!
[3] التناقض والكذب في القول والغيرة.
أما نسج الأكاذيب بلا بينة
فهو أكثر من أن يحصر في مقاله! كدعوى أنهم يوالون العلمانيين والليبراليين والزنادقة والحكام الظلمة، وهذا كلُّه كذب وافتراء، ولا حجة له ولا بينة، ومن ذلك من ذكرهم بأسمائهم كالشيخ الجامي والشيخ ربيع والباقين.
والعاقل لا يُستخف بمثل هذا القول، والله تعالى علَّمنا وأدبنا على طلب البينة، وقال: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [البقرة: 111] وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6] فدونكم كتب الشيخ الجامي وربيع ومن سمى ممن سمى كالريس والعتيق؛ هل فيها تمجيد للعلمانيين والليبراليين، والموالاة لهم والثناء عليهم، أم ذلك في مقالات غيرهم؟ بما هو مشهود بالعيان، ملحوظ بين الأعيان، من التفاف الإخوانيين والمتحزبة مع الليبراليين بل والزنادقة لتحقيق مآربهم.
وليس هذا المأرب: مناكفة سلطان، ولا المروق على نظام دولة، ولكن هو -وايم الله- الحرب لدعوة التوحيد والسنة، ومنابذة دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى، وما عليه أهل السنة من قبل.
فأخدان الليبراليين يعرفهم المجتمع؛ فلا تلبسوا ثوب الزور، ولا تكونوا من الذين (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) [آل عمران: 167].
هل تعرف أسماء أعضاء إتحاد علماء المسلمين ومن يضم؟
أم لم يمرّ بك قضية (حسم) ومن تضم ومن يناصرها؟
أم غاب عن عَمَش عينك (ملتقى النهضة) وأفراده وماذا يريدون؟
الإعلام يقيِّد، وتويتر يُتابع، والأخبار تطير، والتاريخ يحفظ!
وصدور الرجال لا تنسى أيها الغرّ الجاهل!
ما رأينا المدخلي ولا الجامي ولا من تذم في أحضان الرافضة والعلمانيين، ولا مجدوهم، ولا انضموا إلى حزب، ولا مدحوا رافضياً هنا، وذموا آخر هناك، ولا صفقوا لعلماني هنا، وكفروا آخر هناك، ولا عانقوا حاكما تارة، وناكفوا آخر تارة أخرى.
ولكــــــــن:
رأينا من يذم الرافضي وينشيء قناة في محاربته! ثم يصفق لسيد قطب الرافضي الجهمي المريد، وهو يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، كعثمان وعمرو بن العاص ومعاوية وغيرهم، فهل هذا دين؟
يدّعي محاربة الرافضة؛ ثم يعانق عدنان إبراهيم، ويمجد المسعري، وينزل ضيفاً عند من ظهر رفضه وطعنه في أصحاب رسول الله؟
رأينا من يكفر العلمانيين، ويعيب الأنظمة التي يكرهها بهم! ثم يضمهم إلى حزبه، ويمجدهم، ويقول: (جعلتُ بيني وبينهم إحساناً وتوفيقاً).
رأينا من يلعن اليهود والصهاينة! وينادي بمفاصلة النصارى عباد الصليب، ثم يضم في حزبه النصارى كلويس أخنوخ ووهيب دوس وثابت كريم! ويقول: (العداوة بيننا وبين اليهود ليست دينية!) ويقول: (الخلاف بيننا وبين النصارى ديناميكي؟).
أتريد أن أسرد النظائر أيها المدفوع الطائر أم أكتفي؟
عــيـــبٌ عليكم تغررون العوام الطغام بالأكاذيب.
عـيـــبٌ على لحيةٍ تدَّعي نصرة التوحيد والسنة، ومعرفة تاريخ العقيدة، ثم تكون ازدواجية الشخصية، ثنائية الاتجاه، تعرف في الصباح ما تنكره في المساء، وتؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض!
إن كنت حقاً خبيراً بالعقيدة، فصراط الله واحد لا انتقائية فيه، وصاحب البدعة هذا كذاك، والمقالة الواحدة حَكَمٌ على الاثنين.
فكيف تمجد هنا من تلعن هناك؟
أتدري لماذا؟
لأنَّكم على غير صراط الله المستقيم، واتخذتم الدين غرضاً!!
(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82] فلا تكن من الذين قال الله تعالى عنهم (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) [التوبة: 48] واعرف الجادة والزمها.
أما الاحتجاج بخطأ الفرد ونسبته إلى الجماعة!
فقد كفاني هو بنفسه الجواب عن كلّ ما نقله من زلل بعض الأفراد وأخطائهم المخالفة للسنة، حيث قال الغرّ الصغير لما افترض معارضة من خصمه ببعض زلات أفراد حزبه: (هذا الفعل مردودٌ ممن فعله لا فرق بين بعيد ولا قريب).
فكذلك يقال لك:
كل من نقل عنه مقالةً أو فعلاً يخالف به الكتاب والسنة، وما عليه اعتقاد أهل السنة، فهو مردود عليه من قريب أو بعيد! ولو سميتموه جامياً!
فماذا كان؟
أحرام على بلابلـه الــدوح         حلال للطيرِ من كلّ جنسِ؟
من وقع في زللٍ كظلمِ داعيةٍ أو طالبِ علمٍ، أو تكلَّم في شخصٍ بغير حجة ولا بينة شرعية، أو وقع في ما وقع فيه المرجئة من مقالات فاسدة، أو غلا في تمجيد عالمٍ أو حاكمٍ بما لا يجوز من القول والعمل.
فكلّه مردود عليه كائناً من كان، ولا تنسب أقوال الأفراد وأعمالهم إلى العموم ما لم يكن هذا من أصل دين العموم وعقيدتهم، كما يقع من أفراد المسلمين من المعاصي وقبائح الذنوب والمقالات الفاسدة لا تنسب للمسلمين عامة بله للإسلام، لأن الإسلام ضد كلّ هذه الأهواء والقبائح.
فأين تجد في مقالات العموم يا هذا:
محاربة الحسبة؟
وموالاة الحكام الظلمة وتمجيدهم؟
وتعطيل الجهاد؟
والإرجاء؟
وإنكار المعروف والأمر بالمنكر؟
ألا لعنة الله على الظالمين.
هذا شيخنا محمد أمان الجامي الذي تذم، وافتريت عليه بما افتريت، بيني وبينك فيه حقان مطلوبان!
أولاهما: حقه هو؛ فالله موعدك وإياه، وأنت والله افتريت عليه، واتهمته بما ليس فيه، وقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً)[الأحزاب:58]، وقال: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) [النساء:112] (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى)(طـه:61) ، (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً)[طـه:111]  وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ومن رمى مؤمناً بشيء يريد شينه به: حبس يوم القيامة على جسر من جسور جهنم، حتى يخرج مما قال».
إلى ديان يوم الدين نمضي       وعند الله يجتمع الخصومُ
والثانية: بيننا وبينك؛ والله أمرنا أن نكون شهداء بالقسط ولو على أنفسنا، وأن نحكم بين الناس بالعدل، فأنت أيها الغرّ الصغير! ومن ورائك من حزبك، ومن سيأتي! دونكم مؤلفات الشيخ محمد بن أمان الجامي رحمه الله المطبوعة، وأشرطته المسموعة، هاتوا مقالةَ سوء له تبيح لكم استحلال ما حرّم الله من عرضه، ويطعن بها في دينه، وإلا فلعنة الله على الفاسقين المفترين.
أما التناقض والكذب في القول والغيرة
فقد سبق ذكر طرفٍ من ذلك، فلم يَعُد العامي البسيط يصدِّق مقالات الحزبيين في شيء!
فما يحرمونه على الناس يحلونه لهم.
وما يحذرون عنه من الطوائف يوالونهم.
وما يعرفونه اليوم ينكرونه غداً، وما ينكرونه اليوم يعرفونه غداً.
فكانوا كمن قال الله عنهم (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الأنعام: 110].
فماذا تريد يا هذا؟ أتريد أن:
تهمهم بتعظيم الحكام الطغاة؟ كالقذافي وابن علي وبشار؟
فلأحزاب الضلال التصاوير والزيارات وحمل الحقائب، وكيل المدائح ما هو موثّق ومشهور ومنشور؟
وآهٍ على الشيخ محمد أمان الجامي وربيع المدخلي ومن سميت! والله ما رأيناهم هناك! ولا مدحوهم في الإعلام لما أعطوهم من الدنيا، ثم عادوا يذمونهم بعد!
أم تريد أن:
تتهمهم بطلب الدنيا؟ والتزلف عند الحكام طلباً للأموال؟
 فعاش الشيخ الجامي وبيته يضيق بأهله وضيوفه وإن كان صدره يسع الكرام!
وعاش ربيع دهراً من عمره، ولم يكن على جدار بيته طلاء!
والشيخ النجمي وبيته قديم متهالك!
ومن أعدُّ ومن أعدُّ؟
ولو أرادوا الدنيا، وسعوا لها سعي كنّاس بلاط السلاطين والتجار بلحاهم، ومدائحهم، وأهل الغدر والغش في جمع التبرعات، والتكسب بالدعوة والدعايات والبرامج التلفازية، وخدمات الجوال! لشيدوا من القصور والعمارات ما شيده غيرهم!
أم تريد أن:
تتهمهم بانتقائية الاتباع، والأخذ من فتاوى العلماء؟
وهم ألزم الناس بطرائق العلماء، وأحرصهم على نهجهم، وما خاصموكم ولا نازلوكم إلا بفتاوى العلماء الذين يقول عنهم كبراؤكم الذين علموكم المكر: (علماء حيض ونفاس) و(ليسوا مرجعية علمية صحيحة) وما (عرفوا حقيقة لا إله إلا الله كما عرفها سيد قطب!).
الانتقائية ليست فيمن تذم يا هذا، بل هي -وايم الله- فيمن تنافح عنهم من أهل التحزب والضلال، وإلا والله لو سلكوا جادة العلماء ما رأيناهم تحت وطأة داعش، ولا تحت رقاع الثورات وتجمعاتهم.
لو سلموا من الانتقائية في الفتوى؛ ما اختلطت على الناس الأمور، ولا تطاول الأغرار على الصحابة، ولا شكك الزنادقة في ثوابت الملة، ولا التفتت الأنظار إلى أمثال القرضاوي والسويدان وعدنان إبراهيم وغيرهم من أهل الزيغ والضلال.
قم بين العالمين:
وقل عليكم بكبار العلماء، ولا تناديهم فقط إلى من سميت من مشايخك، وفيهم من فيهم من أهل الزيغ والضلال، ومن لا يُعرف بعلم ولا عقل!
ادع الناس إلى مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى وأئمة الدعوة السلفية، والشيخ ابن باز وابن عثيمين.
اطلب من مشايخ صحوتك أن يشرحوا للناس هذه الكتب! حتى من كان منهم في هيئة كبار العلماء!
وستعرف أن:
الدعاوى إن لم يقيموا عليها          بينات أصحـــابها أدعيـــاء
فاعرف قدر نفسك! والتفت إلى حزبك!
إن من تذم:
يقومون مقام الأنبياء والصديقين،  ينفون عن دين الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، ويحذرون من أهل البدع والأهواء، والخطأ والزلل، ويدعون إلى الجماعة (على الحق) لا إلى الجماعة على (التعددية) و(يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه) بل دعوهم إلى كلمة سواء ألا نعبد إلا الله، ولا نتبع إلا رسول الله، ولا ننهج إلا نهج أهل السنة، ولا ننازع الأمر أهله فنخرج على سلطان المسلمين بالثورات التي أعقبت المسلمين وديارهم كلّ شرٍّ وبلاء.
وخلاصة المقال، وخاتمة المقام؛ مع ثقل الكلام عليّ في هذا الموضوع، لظهور الحق فيه كوضوح الشمس في رائعة النهار، إلا إنني أرجو أن يكشف الله بهذا المقال الشبهة عن الجاهل ومن يطلب الحق، وليراجع ما سبق وأن كتبته من قبل في هذا ككتابي (الرد على من طعن في السلفية وسماها بالجامية) وكتابي (إيقاف القاري على أكاذيب طارق الطواري) ومقالي (الرد على محمد العبدالكريم) ومقالي (الرد على نبيل العوضي) ومقالي (الجامية باختصار) ومن يرد الله تعالى هدايته ساقه إلى دوحة الحق بأبسط دليل، ومن لم يرد الله تعالى هدايته فلن نملك له من الله شيئاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
بدر بن علي بن طامي العتيبي
الطائف، الجمعة 29 جمادى الأولى 1436هـ

الاثنين، 9 مارس 2015

من المختارات لكم (74): الخلوة الإلكترونية في الأجهزة الذكية ... غير زكية!

الخلوة الالكترونية
في الأجهزة الذكية ... غير زكيَّة!
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فإن من عظيم مقاصد الشريعة، ومحاسن الملَّة، درءُ المفاسد وتقليلها، وجلبُ المصالح وتحصيلها، ومن درءِ المفاسد: حسمُ أسبابِ الفتنةِ، وقطعُ سبلِ الحرام، ومنه إغلاقُ بابِ الفتنةِ بين الجنسين الرجال والنساء، وذلك لما خلق الله تعالى فيهما من ميلِ كلٍّ منهما إلى الآخر، سنةُ الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
وما نهى الله المرأة عن ضربها برجلِهِا فيسمع الرجال خلخالها، وتتجه إليها أبصارهم إلا لهذا؟
وما هدد النبي صلى الله عليه وسلم المرأة بالوعيد الشديد حينما تخرج متعطرة تريد الفتنة إلا لما في ذلك من تحريك الأنوف ثم الأبصار ثم القلوب إليها.
وناهيك عن ذات الصوت الرقيق، وكيف نهاها الله تعالى عن الخضوع فيه كي لا يطمع الذي في قلبه مرض! فتحصل الكارثة!!
وهل بعد قلوب الصحابة من قلوب؟
ووراء شيمتهم من شيمة ورجولة؟
وقد قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء».
وقال لهم وهم المعنيون بخطابِهِ ابتداءً، وبقية الأمة لهم تبع في ذلك: «فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء» زاد في رواية: «فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» أخرجه مسلم، وعند النسائي: «فما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء».
فكلّ هذه الأمور، تحملُ البصيرَ بنفسه، المراقبَ لربِه، المتمسكَ بشيمتِه، أن يتجنب مواطن الرِّيَب، وأسبابَ الزلل، ودواعي الفتنة، فلا أمان لهذا من هذه، ولا لهذه من ذا! فالنفس أمارة بالسوء، والله المستعان.
لقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الاختلاط بالنساء، وحذَّر من عواقبه، كما بينته في كتابي "الإحباط لمكائد من أراد إباحة الاختلاط" (www.saaid.net/female/0174.htm).
وكذلك حذَّر التحذير البالغ من الخلوة بالنساء، وقال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو: الموت» متفق عليه.
وفي الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» وعند الترمذي قال عليه الصلاة والسلام: «ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان».
وكانت هذه الخلوة الذاتية! وربما تنقطع من دونها مكائد الشيطان كثيراً، وتهاب الرجالُ أسودَ الرجالِ فتعجز أن تخترق حرمات البيوت، وتصل إلى ربّات الخدور!
فكيف وقد بُليت الأمة اليوم بالأجهزة الذكية وإن كانت غير زكية! وبرامج التواصل الاجتماعي، حتى ابتُلي الكثير من الرجال والنساء بـ: الخلوة الالكترونية! فزلّت بسببها الخُطَى! وانتشر فيها الخَطَأ، وكُسر العفاف، وانسلخ الحياء، فكم من عاضٍ على أصابع الندم، وهو يلتفت إلى زمن الحياء من ورائه وقد أدبر وفات؟
وكم من أسيرةٍ كسيرةٍ قادتها دهاليز الخلوات الالكترونية إلى ظلمات تحتها ظلمات؟!
فهل للكسر من جابر؟! وهل للعفاف والحياء من معيد؟ حينما تأتي ساعات حسابات النفس، وطلب الكمال! فإذا في حياتهم من صفحات الظلمة، وليالي الفُحش، ما تحترق عند ذكرها أكباد التائبين، وتلتهب لها جفون النادمين.
ليس كلامي عمَّن طبع الله قلبه، وأعمى بصيرته، وجعل على بصره غشاوة؛ من أهل الفسق والخنا، ولكن الكلامَ الكلامَ! واللَّومَ اللَّومَ، على (الصالحين والصالحات!) حينما وقعوا في (قبضة الشيطان!) في خلواتهم الالكترونية! حتى صدّق عليهم إبليس ظنّه، فجرهم من المكشوف إلى الملفوف! ومن المرئي إلى المخفي! (إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء: 108].
نعم؛ إن من عظيم الغش والخيانة، السكوتُ عمّا بُلي به بعض الصالحين والصالحات بل وخاصتهم من طلاب العلم وطالباته من التهاون في ذلك عبر ما يسمى بـ(القروبات العلمية) و(الحسابات المختلطة)بـ(استضافة بعض طلاب العلم في المجموعات النسائية) أو (المعلم مع طالباته في الجامعة!وما يحصل فيها من ترقيق الكلام، واستعطاف القلوب، حتى ينتقل بهم إلى الانفراد بالمراد، متبعين في ذلك خطوات الشيطان! وهم في غفلة غافلون!
حتى صار هذا منهم –وهم القدوة والأسوة- فتنةً لسخفاء العقول، وقليلي العلم، وضعفاء الدين والحياء! فتوافدوا على ما يسمى بـ: (القروبات العامة) يطقطقُ(1) بعضهم على بعضٍ كما يقولون!
فإلى متى السكوتُ عن هذا البلاء العظيم؟
وأنشدوا ما أنشده الحكم بن عبدل الأسدي الغاضري، في قوله:
ذهــــبَ الرِّجالُ المُقْتَدَى بِفِعَــالهِم         والمُنْكِرِونَ لكـــــــــلِّ أمرٍ مُنْــكَــرِ
وبَقِيتُ في خُلْفٍ يُزِيَّن بَعْضَـهِم           بَعْضاً ليَدْفَع مِعْورٍ عَن مِـعْوَرِ
سلـكـوا بُنَيَّات الطَّرِيقِ فأصْبَحُوا           مُتَنَكِّبِين عَنِ الطَّريق الأكْـبَـرِ
لولا أمانات المجالس، وعهود الوفاء، ووجوب الستر! لعرّضت بذكر أخبارٍ تتفطر لها قلوب الغيورين، وتذوب منها أكباد الشِّدَاد!
أيا عباد الله؛ الغيرةُ روح، والروح تضعف، وتمرض، ثم تموت! ومن ماتت غيرتُه على عمومِ بنات المسلمين، ماتت غيرتُه على نسائِهِ وأهلِهِ!
حتى صار من الرجال، من كان في قديم الزمان الدَّفين! وأيام (الطيبين!) من تتفجر في وجهه دماءُ الغيرة، وتثور في رأسهِ براكينُ الشِّيمة والشرف، حين يلتفت رجلٌ إلى أهله أدنى التفاته، أو يتصل بهاتفهم غريب! أو رأى في غرفة أخته وبنته صورة من الصور!
واليوم! و آهٍ ثم آهٍ مما نراه اليوم:
تُضيفُ المرأةُ الرجالَ ويُضيفونها! وتحمل لهم في هاتفها الصور والفيديوهات! والطُّرفَ والـمُلَحَ والأشعارَ والأغاني! وترحِّبُ بهم في (تويتر) ويرحبون بها! ويتبادلون صنوفَ الكلام الرقيق، وإهداء رسومات الزهور! إن لم يكن ما وراء ذلك من شعارات الحبِّ والغراِم من صورِ القلوب، وأنواع الابتسامات! فلا يغار منه –اليوم- الرجال، ولا تستحي منه النساء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ألا فاتقوا الله يا عباد الله؛ وعودوا إلى حوزةِ الحياءِ والحشمةِ، وانظروا إلى نصوص الوحيين، ومقاصد دينكم، وكيف حسمَ مادة الشرِّ، وقطعَ أسبابَ الفتنةِ.
وأختم بوصيتين أراهما من الأهمية بمكان:
أولاهما: لطالبات العلم:
ثغر الدعوة النسائية عظيم، ونساء المسلمين: في زمن الفتن، وضعْفِ الذِّمَم، وغَلَبَةِ الجهلِ، بحاجةٍ شديدةٍ إلى العالمةِ الفقيهةِ المربيةِ النَّاصحةِ الصادقةِ.
فاجتهدنَ في طلب العلم وتحصيله، وبابُه لكنّ باب جهادٍ عظيمٍ لا قتالَ فيه، بالتعليم والدعوة والتربية.
انظرنَّ في سيرِ السالفاتِ من نساء الصحابة والتابعين وأتباعهم، وما هنّ فيه من الرُّتَبِ العليِّة في الفقهِ والحديثِ والتفسيرِ واللغةِ، مع الزُّهْدِ والعِبَادةِ والورع.
فامنحوا جيلنا (جذوة) من تلك (الأنوارِ السلفية) بعلمٍ يرجع إليكنّ فيه عمومُ النساء، وتترك المعضلات الثقيلات من المسائل إلى كبار العلماء.
فمن المؤسف أن ترى فتاةً يثقلُ عليها معرفةُ مبادئ التوحيد، ويُشكلُ عليها تعلّمُ أحكامِ الطهارةِ، وحقوقِ الزَّوجِ، وأصولِ التربيةِ، وكل ذلك من أبجديات المعلومات، ثم لا يكون في بنات جنسها من تفيدها بذلك، وتتجه إلى من تسميه في جوالها (مفتي!) أو (مفسر أحلام) وهي لا تعرف دينَه ولا أمانتَه ولا مبلغَ عِلْمِهِ.
العلم أمانة، وغداً السؤال عنه بين يدي الله، والله المستعان.
والثانية: لطلاب العلم:
أنتم ملح البلد؛ فمن يُصلح الزاد إذا الملح فسد؟ فاقطعوا أسباب الفتنة، واحجبوا مداخل الهوى، فكما أن النساء فتنة لكم، فأنتم كذلك فتنة لهنّ من حيث لا تشعرون!  كما بينته في مقالي: (ليس النساء هنّ الفتنة فقط) (badralitammi.blogspot.com/2015/03/73.html).
فكونوا سبَّاقين إلى كلّ فضيلة، وعلِّموا النّاس وخصوص النساء الأدبَ والحياءَ، واحجزوا السائلين عن داعي الفتنة، و(إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الأنفال: 29] فمهما كانت الرخصة في محادثة النساء، وتعليمهن، فلكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، وقد حذركم من فتنة النساء، ونهاكم عن الخلوة بهن، والدخول عليهن، وما كان يُعلِّم نساءَ الصحابة –وهو رسول الله لهنّ ولنا- إلا في كل يوم خميس، وفي جمعٍ من النساء! فكيف بمن يختلي الكترونياً بهنّ -جماعات وأفرادا- في كلّ يومٍ وليلة؟
أأمنتم الفتنة؟
كنتُ مع بعض مشايخي المعمّرين رحمهم الله قبل موته بسنوات! ونحن وقوف عند باب بيته، فجاءته امرأةٌ، واقتربت منّا بحياء وحجاب كامل! وقالت: يا شيخ، عندي سؤال! فقال شيخُنا مباشرةً –وعينُه في جهةٍ غير جهتها-: (ادخلي عند الحريم، وأخبريهم بالسؤال، وهم يقولون لي، ويصلك الجواب).
الله أكبر؛ شيخٌ مسنّ قاربَ الثمانين من عمره حِينَها، وامرأةٌ لا أرى فيها شيئاً من دواعي الفتنة، ويقول لها هذا القول؟  
يا طلاب العلم:
تجنبوا التصاوير، واتقوا ما يحصل بسببها من فتنة وبلاء، وتجنبوا ترقيق الكلام، إلى حدٍ وصل إليه بعضهم يحاكي رقة النساء! وتزيد طينته بِلّةً حين يقول: (اتصلت بي إحدى الأخوات!) و(أرسلت لي بعض البنات) عبارات يأنف من ذكرها شُـمَّخ الرجال! وكأن لسان حاله ينادي إلى تواصل السامعات به لاحقاً!!
الخضوع بالقول وإن كان أصل الخطاب في النهي عنه للنساء، فكذلك هو للرجال، وما هو إلا من التَّأنُثِ والتَّخَنُثِ الممقوتِ، وكنتُ عند شيخنا الإمام عبدالعزيز ابن باز رحمه الله تعالى ذات مرة، فتكلم بعض من حوله لشيخنا بكلام رقيق يحاكي همس النساء! فقال شيخُنا بصوتٍ ضَخْمٍ فَخِيمٍ: (ارفع صوتك) وكأنَّه يستنكر ترقيقه للكلام.
وقارنوا بين جدِّ شيخنا ابن باز رحمه الله تعالى في حديثه فيما ترونه مسجلاً، وما فيه من النَّفَسِ الرُّجُولي، وبين كثيرٍ من ميوعةِ بعضِ من يدَّعِي الدَّعوةَ والعلمَ، وترقيقِهِ للكلام، لتعرفوا أين كانت البركة؟ وأين حُجبت؟!
  وخـــــــتــــــــــــــــــــــــــــــامـــــــــــــــاً:
لا أدري عن سابق كلامي: أقويٌّ يُحدث الآلام، أم سهلٌ تدركه الأفهام، ولكنْ أحسبُ أنني أريد الإصلاح ما استطعت، فقد طفح كيل الشكاوي! وفاحت روائح البلاوي، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
بدر بن علي بن طامي العتيبي
صبيحة الثلاثاء 19 جمادى الأولى 1436هـ ، الطائف.




(1) وهي لغة عربية من طق الحجر بالحجر بعضه يضرب بعض، وإذا ضوعف يقال: طقطق "تهذيب اللغة" (8/218).

الاثنين، 2 مارس 2015

من المختارات لكم (73): ليس النساء هنّ الفتنة فقط ... بل الفتنة قد تكون بالرجال .. فليتقوا الله في نساء المسلمين

ليس النساء هُنَّ الفتنة فقط!
بل الفتنة قد تكون بالرجال .... فليتقوا الله في نساء المسلمين
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنّ من مستفيض السنة النبوية أن النساء فتنة، وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، ولا شك في ذلك، ولكنّ هذا لا يعني براءة الرجال من الفتنة! فالرجال كذلك فتنة للنساء وهذا من قضاء الله الكوني، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "شفاء العليل" (ص244): (كم لله سبحانه من حكمةٍ وحمدٍ وأمرٍ ونهيٍ وقضاءٍ وقدرٍ في جعل بعض عباده فتنة لبعض كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) فهو سبحانه جعل أوليائه فتنة لأعدائه، وأعداءه فتنته لأوليائه، والملوك فتنة للرعية، والرعية فتنة لهم، والرجال فتنة للنساء، وهُنّ فتنة لهم، والأغنياء فتنة للفقراء، والفقراء فتنة لهم).
فما على النساء فتنة أضرّ من الرجال! كما أنه ما على الرجال فتنة أضرّ من النساء، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم منع أنجشة من الإنشاد بصوت رقيق تلين له قلوب النساء، فقال عليه الصلاة والسلام: (رفقاً بالقوارير).
قال الحاكم: كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمع النساء صوته.
قال المازري في "المعلم بفوائد مسلم" (3/ 221): شَبّهَهنّ بها لضعف عزائمهن والقوارير يسرِع إليها الكَسر، وكان أنجَشَة يحَدو بِهِنّ وينشد من القريض والرّجز ما فيه تَشبيب فلم يأمن أن يَفتِنَهَنَّ أو يقعَ بِقلوبِهِنّ حدَاؤه فَأمَرَه بالكَف عن ذلك.
فكيف بما هو أشد فتنة على النساء من حسن الوجه والمظهر؟ بل كيف إذا اجتمع الغناء تحت مسمى (الشيلات! والأناشيد) وما في ذلك من (التشبيب على الحب والغرام) مع (حسن المظهر) فيجمع لهم نساء المسلمين في الحفلات الإنشادية، والملتقيات، وبعض القنوات التي تصنّف بأنها إسلامية؟
نقل ابن مفلح "الآداب الشرعية والمنح المرعية" (2/ 322) عن أبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي قوله: (كل مهيِّج مِنْ هؤلاء الوعاظ المنشدين من غزل الأشعار وذكر العشاق فهم كالمغني والنائح، فيجب تعزيرهم؛ لأنهم يهيجون الطباع، والعقل سلطان هذه الطباع فإذا هيجها صار إهاجة الرعايا على السلطان أما سمعت: (يا أنجشة) رويدك سوقا بالقوارير وما العلم إلا الحكمة المتلقاة مع السكون والدعة واعتدال الأمزجة، أما رأيته عزل القاضي حين غضبه، وكذلك يعزل حال طربه أما سمعت: (فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا) [الأحقاف: 29] فأين الطرب من الأدب؟ والله ما رقص قط عاقل، ولا تعرض للطرب فاضل، ولا صغى إلى تلحين الشعر إلا بطر، أليس بيننا القرآن؟..) انتهى.
هذا يوسف عليه السلام وهو من أنبياء الله الذين قال الله تعالى عنهم: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90] لما أمرته امرأة العزيز أن يخرج للنساء وقالت: (اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) [يوسف:31] فمن النساء اليوم- من يحصل لهن من الفتنة مثل ما حصل لتلك النسوة مع بعض من يتساهل في هذا الباب ويحاضرهن! ويخرج لهن عبر وسائل الإعلام، وينشر صوره في كلّ مكان! فقال يوسف عليه السلام: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [يوسف: 33].
نعم؛ السجن أحبّ إليه من أن يَفتن وأن يُفتن به، فهل يعقل هذا المتهورون المغرورون؟
لقد كان السلف يُحَذِّرون ويَحْذَرُون من فتنة النساء بالرجال، ومن حباه الله حسناً وجمالاً توخى مواطن النساء، وإن خرج تلثم وغطى وجه، أو غير من صورته ما لا يفتن به النساء!
فهذا دحية الكلبي الذي كان ينزل جبريل عليه السلام على صورته، كان من أحسن الناس صورة، وقيل: (إنه من حسن صورته كان يمشي متلثماً حتى لا يُفتتن به النساء!) ذكر ذلك العيني في "عمدة القاري" (1/ 40) وغيره.
وقصة نصر بن حجاج في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشهورة، عندما نفاه عنها لما كان فيه من جمال صورة يخشى أن يفتتن النساء بها.
وحصل للعالم الزاهد علي بن محمد أبي الحسن المصري (ت: 338هـ) أنه كان يعظ الرجال والنساء، قالوا: (فكان يجعل على وجهه برقعا تخوَّفا أن يفتتن به النساء من حسن وجهه) ذكر ذلك الخطيب البغدادي في "تاريخه" (12/ 75) وابن الجوزي في "المنتظم" (14/77).
وفي "طبقات الحنابلة" (1/ 246): (قال أَبُو حفص العكبري بلغني أن عصمة ابن أبي عصمة العكبري- رأي ابنا له وقد خرج من الحمام وكان وضيء الوجه فحبسه فِي منزله حتى خرج الشيب فِي لحيته وقال هذا إذا كان صبيا فتن الرجال وإذا كان له لحية فتن النساء ولم يكن يتركه يخرج إلا إلى الجمعة والجماعات).
ويُروى أن أهل مكة كانوا إذا رأوا من حجاج بيت الله من هو بالغ الجمال أن يحلق شعره حتى لا يفتن قلوب نسائهم.
ومن عجيب ما يستأنس به من أخبار بني إسرائيل ما نقله المقدسي في كتاب "البدء والتاريخ" (3/ 97): (يقال أن كالب ابن يوفنّا- كان نظير يوسف في الحُسْنِ والجَمَال، فَكَان النِّسَاء يفتتن به، فدعا ربه أن يغير خلقه، قال وهب: ضرَبه اللهُ بالجدري، وبثرت عيناه، ومعطت لحيته، وخرم أنفه، وانثنى أسفل وجهه الذقن والفم حتى صار له خرطوم كخرطوم السبع، فَقَذَره النَّاسُ ولم يقدر أحد النظر إليه، وقام بالعدل في بني إسرائيل أربعين سنة وتوفّى).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاستقامة" (1/ 362): (فَإِذا كَانَ فِي الرِّجَال من قد صَار فتْنَة للنِّسَاء أَمر أَيْضا بمباعدة سَبَب الْفِتْنَة إِمَّا بتغيير هَيئته وَإِمَّا بالانتقال عَن الْمَكَان الَّذِي تحصل بِهِ الْفِتْنَة فِيهِ لِأَنَّهُ بِهَذَا يحصن دينه ويحصن النِّسَاء دينهن).
وقال رحمه الله تعالى في "مجموع الفتاوى" (15/ 313): (فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فالقليل من الخير خير من تركه ودفع بعض الشر خير من تركه كله وكذلك المرأة المتشبهة بالرجال تحبس شبيها بحالها إذا زنت سواء كانت بكرا أو ثيبا فإن جنس الحبس مما شرع في جنس الفاحشة، ومما يدخل في هذا أن عمر بن الخطاب نفى نصر بن حجاج من المدينة ومن وطنه إلى البصرة لما سمع تشبيب النساء به وتشبهه بهن وكان أولا قد أمر بأخذ شعره؛ ليزيل جماله الذي كان يفتن به النساء فلما رآه بعد ذلك من أحسن الناس وجنتين غمه ذلك فنفاه إلى البصرة فهذا لم يصدر منه ذنب ولا فاحشة يعاقب عليها؛ لكن كان في النساء من يفتتن به فأمر بإزالة جماله الفاتن فإن انتقاله عن وطنه مما يضعف همته وبدنه ويعلم أنه معاقب وهذا من باب التفريق بين الذين يخاف عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه وليس من باب المعاقبة).
وليس غض البصر من خصائص الرجال عن محاسن النساء، فكذلك هو من شأن النساء عن محاسن الرجال، كما قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور: 31].
وكذلك ليس إخفاء الزينة من خصائص النساء، بل الرجال كذلك، فلباس التقوى ذلك خير، فالله تعالى لما أباح اللباس ذكر ما هو أهم من كلّ زينة يتسابق إليها الناس وهو لباس التقوى، فقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) [الأعراف: 26]
فكيف واليوم في زمان الفتن والشرور، ما يرى من بعض الخاصة بله العامة والهمج الرعاع من يبالغ في نشر صوره، ويظهر بكامل زينته أكمل من حاله ليلة عُرسهِ! بل ربما منهم من استعان بمساحيق التجميل! ومحسنات الصور! ليوزع ابتساماته كل يومٍ بصورٍ متنوعة! فلمن هي هذه الصور؟
لقد كان أهل العلم والفضل من أسلافنا في قديم الزمان وقريبه: يغلب عليهم ترك الترفه في اللباس، والمبالغة في ذلك، زهداً في الدنيا، وإقبالاً على الآخرة، ومن ترخص بما أباح الله من الثوب الحسن، والنعال الحسن، والادهان والاكتحال، وترجيل الرأس، لم يكن همّه عرض صورته في مجامع الناس، والأسواق، فكيف بمواطن الفتن، وحضور النساء، مع قلة العلم، وضعف المراقبة والخشية؟!
اللهم إنا نسألك أن لا تفتنا في ديننا ولا تفتن بنا، واهدنا واهدِ بنا واهدِ لنا يا رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
بدر بن علي بن طامي العتيبي
صبيحة يوم الثلاثاء 12 جمادى الاولى 1436هـ

مدينة الرياض