من المختارات لكم (97): الاحتفال بالمولد النبوي بدعة.

بسم الله الرحمن الرحيم
الاحتفال بذكرى المولد النبوي بدعة منكرة
ومن نسب مشروعية الاحتفال به
إلى أحدٍ الأئمة الأربعة فهو كاذب أفاك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد»  أخرجه البخاري ومسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» رواه الإمام أحمد وأبو داود وجماعة.
وقد أجمع المسلمون على حرمة البدعة، والإحداث في دين الله تعالى ما ليس منه، وروى أبو داود بسنده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك أن يقول قائل: ما للناس لا يتبعوني؟ وقد قرأن القرآن وما هم بمتبعي حتى ابتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع؛ فإن ما ابتدع ضلالة واحذروا زيغة الحكيم فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم وقد يقول المنافق كلمة الحق».
وعند ابن بطة وغيره عن حذيفة رضي الله عنه قال: «يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيداً، ولئن أخذتم يميناً أو شمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً».
وروى الهروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع» .
وعند الدارمي والطبراني وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم كل ضلالة».
وروى الآجري بسنده عن أبي العالية قوله: «تعلموا الإسلام، فإذا تعلمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصراط المستقيم، فإنه الإسلام ولا تحرفوا عن الصراط يميناً ولا شمالاً، وعليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم والذي عليه أصحابه، فإنا قد قرأنا القرآن من قبل أن يفعلوا الذي فعلوه خمس عشرة سنة، وإياكم وهذه الأهواء التي تلقي بين الناس العداوة والبغضاء» ولما بلغ الحسن البصري هذا الكلام قال: «صدق ونصح».
وروى الإمام أحمد في الزهد بسنده عن الحسن البصري أنه قال: «اعرفوا المهاجرين بفضلهم، واتبعوا آثارهم وإياكم ما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات».
فهذه الآثار وما في بابها كلّها تدل على أن البدع من المنكرات المحرمات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وجرى على ذلك الصحابة والتابعون وأئمة الدين، جيلاً بعد جيل.
ومن البدع المنكرة التي ما أذن الله تعالى بها، ولا شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم: بدعة الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بدعة باتفاق علماء الإسلام من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، والقول بها قول حادث منكر جاء بعد استقرار المذاهب الأربعة إلى الأئمة المتبعين الأعلام وهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فما جاءت على لسان واحد من هؤلاء الأئمة الأعلام، ومن نسب القول بها إلى أحد من المذاهب الأربعة فهو كذاب أفاك، ولو قال به من قال من الأتباع، فالعبرة في نسبة المذاهب إلى الأئمة ما نصوا عليه، وترك ما تركوه، وما من أحدٍ من أولئك العلماء أقرّ هذه البدعة، وكلهم على إنكار البدع عموماً، وأنها كلها ضلالة، فهذا أبو حنيفة رحمه الله يسأله رجل: ما تقول فيما أحدثه الناس في الكلام في الأعراض والأجسام , فيقول: «مقالات الفلاسفة؛ عليك بالأثر وطريق السلف وإياك وكل محدثة فإنها بدعة» رواه الهروي في "ذم الكلام".
وهذا الإمام مالك بن أنس رحمه الله يقول: «مَنِ ابْتَدَعَ فِي الإسْلامِ بِدْعةً يَرَاهَا حَسَنةً فَقَدْ زَعَمَ أنَّ محَمَّداً خَانَ الرِّسَالةَ؛ لأنَّ الله يَقُولُ: )اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم) فَمَا لَمْ يَكُنْ يَومَئذٍ دِيناً فَلا يَكُونُ اليوْمَ دِيْناً» ذكره الشاطبي في "الاعتصام".
وقال: «لَنْ يَصْلُحَ آخرُ هَذهِ الأمةِ إِلاَّ بما صَلُحَ بهِ أَوَّلها ؛ فَمَا لَمْ يَكُنْ يوْمئذ دينا لاَ يَكُونُ اليَوم دِينا» ذكره القاضي في "الشفا".
والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يقول: «أصولُ السنَّة عندنا التمسُّكُ بما كان عليه أصحابُ رسول الله r، والاقتداءُ بهم، وتركُ البدع، وكلُّ بدعةٍ فهي ضلالةٌ، وتركُ الخصومات والجلوسِ مع أصحاب الأهواء، وتركُ المراء والجدال والخصومات في الدِّين» رواه اللالكائي.
روى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد قال: سمعت الشافعي يقول: «الْبِدَعةُ بِدْعَتَانِ: بِدْعَةٌ محْمُودَةٌ ، وَبِدْعَةٌ مَذْمُومَةٌ، فَمَا وَافَقَ السُنَّةَ فَهُوَ محْمُودٌ، وَمَا خَالَفَ السُنَّةَ فَهُوَ مَذْمُومٌ».
قال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم": «ومراد الشافعي t ما ذكرناه من قبل: أن أصل البدعة المذمومة ما ليس لها أصل في الشريعة ترجع إليه، وهي البدعة في إطلاق الشرع، وأما البدعة المحمودة فما وافق السنة، يعني: ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغة لا شرعاً، لموافقتها السنة، وقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنه قال: المحدثات ضربان، ما أُحدث مما يخالف كتاباً، أو سنة، أو أثراً، أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة.
وما أُحدث فيه من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا؛  وهذه محدثة غير مذمومة، وكثير من الأمور التي أحدثت ولم يكن قد اختلف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة حتى ترجع إلى السنة أم لا».
فها هم الأئمة الأربعة متفقون على أن كلّ بدعة ضلالة، وعلى أنه ليس في "الدين" بدعة حسنة، وأما ما كان في غير ذلك من المصالح المرسلة والأمور المباحة، فهذا من المشروع الداخل في عموم ما أباحه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم للناس، ومن سماها بدعة فمراده المعنى اللغوي العام.
والعجيب أن عامة من ينادي بهذه البدعة المنكرة ينادون إلى الجمود المذهبي، ووجوب التقليد، وما من واحدٍ منهم يملك عن إمام مذهبه قولاً واحداً يبيح هذا الأمر، بل أصل مذهبه يقضي بوجوب إنكار هذا العمل.
والنبي صلى الله عليه وسلم فعله تشريع، وكذلك تركه تشريع، وهي مسألة مشهورة: هل الترك تشريع أم لا؟
وتسمى مسألة (الكف عن الفعل) أو (مسألة الترك) وهي مبنية من حيث الأصل على: أن مجرد الترك هل هو فعل أم لا؟.
والفعل المجرد لا شك أنه مقصود من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يخرج عن ثلاثة أنواع:
(1) الجبلِّي.
(2) والخاص به.
(3) والعام لأمته.
والأصل هو الأخير ما لم يثبت الدليل على خصوصيته به صلى الله عليه وسلم، لأن هذا هو الأصل في مهمة الرسالة فينسب الأمر إليها، ما لم يرد الدليل على خروجه عن معنى الرسالة لكافة البشر، فيعود إلى خصوصيته كنبي أو كبشر عليه الصلاة والسلام.
وعليه فغالب أفعاله صلى الله عليه وسلم تشريعية، ولهذا جاء في تعريف السنة قولهم: هي كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول وفعل وتقرير.
وإذا كان فعله تشريع فالأصل طلب الامتثال به فيه، ولكن من أي درجات الطلب؟!
أهو واجب؟ أم مندوب؟ أم مباح؟
محل بحث ليس مجاله هذا المقام، غير تقرير الاتفاق على كون المراد به التشريع وطلب الفعل.
وبالضد من ذلك الترك أو الكف على اختلاف في معنى اللفظين.
وهو إما ترك لمنهي عنه، وهذا فعل عند جمهور الأصوليين، وليس هو محل البحث.
أو ترك مطلق، وهذا محل البحث، وجمهور الأصوليين يقولون بأنه ليس بفعل!
فتأمل أن البحث في كونه فعلاً من عدمه، والصحيح أن عدم نقل الفعل تشريع بعدم الفعل، وأوضحه ما دلت القرينة على قصده ترك الفعل.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد يمسك عن أشياء لا يوجد المقتضي لمنعه عنها، كيف لو وجدت الداعي لها ثم كف عن فعلها؟! ولذلك نظائر في السنة سيأتي ذكرها، فدل على أن إمساكه عن فعلٍ ما من سننه التي يجب التأسي به فيها.
ولهذا كان أحسن شيء يقال في تعريف السنة أنها: قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وإقراره وإمساكه.
جوّد هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في "المسودة" (ص:268) وقال مقرراً رحمه الله تعالى: «فان إقراره ترك النهى فانه يدل على العفو عن التحريم، وأما الإمساك فانه يعم ترك الأمر أيضا الذي يفيد العفو عن الإيجاب كترك الأمر بصدقة خضروات المدينة، فإنَّ ترك الأمر مع الحاجة إلى البيان يدل عل عدم الإيجاب، كترك النهى، وأما ترك الفعل فانه يدل على عدم الاستحباب وعدم الإيجاب كثيراً، فإنْ ترك الفعل مع قيام المقتضى له يدل على عدم كونه مشروعا كترك النهى مع الحاجة إلى البيان».
قلت: فقسم ترك الفعل إلى قسمين:
(1) ترك مجرد.
(2) وترك يقوم معه المقتضي له.
وكلاهما عنده يفيدان عدم الاستحباب وعدم الإيجاب كثيراً، فإن قام المقتضي وتركه تأكد عدم المشروعية.
وذلك لأننا عبيدٌ لا يحق لنا أن نتصرف في ملك سيدنا وهو الله عز وجل- إلا بأمره، وأمره جاء عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يأمر وينهى ويقر ويكف عن أمورٍ لا يباح لنا فعلها إلا بالدليل منه كلياً كان أو جزئياً.
فإن أقر الخصم بأنه أيضاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول جمهور الأصوليين فإنه يفيد مطلق المنع، ثم يكون الكلام في نوعية هذا المنع، للتحريم أم للكراهة.
توجه القرائن دلالة الفعل من حيث الوجوب أو الندب أو الإباحة.
وكذلك القرائن توجه دلالة الترك من حيث التحريم من الكراهة.
وترك الاحتفال بذكرى المولد النبوي محتف بقرائن تدل على التحريم، منها تحريم المشابهة بالمشركين، وهذا النوع من الاحتفالات لم يكن من شأن النبي صلى الله عليه وسلم ولا من عادات العرب الذين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم لا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ولا بعدها، وإنما هو من شأن النصارى الذين نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم، وهذا على انفراده دليل واضح على المنع منه، ومن قال بأنه عادة لا عبادة، ينقضه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل بعض عادات الكفار كاتخاذ الخاتم ونحوه، ولم ينقل عنه أنه قبل عادة الاحتفال بالمولد! ومثلها لها الحظ الأكبر والأقوى إلى أن تنقل إلى عادات المسلمين، ومع ذلك لم ينقلها إلينا النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن القرائن الدالة على  آكدية المنع، وأن تركه للاحتفال يقضي بالتحريم ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أنس بن مالك قال : قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، ولهم يومانِ يلعبونَ فيهما، قال : ما هذان اليومان؟ قالوا : كنا نلعب فيهما في الجاهِلِيَّةِ، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «قد أبْدَلَكُم الله خيرا منهما : يَوْمَ الأضْحَى ، ويومَ الفِطْرِ» أخرجه أبو داود والنسائي.
فهذا نص صريح على أنه ليس في الإسلام إلا عيدان في كلّ عام: عيد الأضحى وعيد الفطر.
وكذلك عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحداث في الدين كما تقدم.
ومن يحتفل بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم يعده من أعظم القرب لإثبات محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل يُعظم النكير على من منعه وحذر منه، وألحق به فرية كره الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم محبته.
والصحابة رضي الله عنهم فهموا من ترك النبي صلى الله عليه وسلم عدم جواز الفعل، واعتبروه شريعة يتأسى به فيها، فكان الأصل عندهم متابعته في الترك، ولما ترك النبي r أكل لحم الضب تركه أصحابه رضي الله عنهم، بل حمله خالد بن الوليد على التحريم فقال: «أحرامٌ الضب يا رسول الله ؟».
فدلّ على أن الأصل في تركه المنع من فعل المتروك، حتى جاء الخبر المبين بأن هذا الترك إنما هو لأمرٍ جبلي عادي، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا ، ولكنه لم يكن بأرض قومي ، فأجدِني أعَافُه» متفق عليه.
وكذلك ترك الصحابة رضي الله عنهم استلام الركنين الشاميين، لتركه الخاص، ولقوله: «خذوا عني مناسككم».
ولو لم يكن الترك يدل على حكمٍ شرعيٍّ لما نقله الصحابة رضي الله عنهم في أكثر من موطن كقولهم: «وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» وقوله في صلاة العيد: «لَمْ يَكُنْ أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ وَلَا نِدَاءٌ» وقوله في جمعه بَين الصلاتين: «وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى أَثَرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» ونحو ذلك، فدل ذلك كلّه على أن مجرد الترك عندهم معتبر وأنه سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك لما نقلوه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم موجوداً -لو كان مصلحة- ولم يفعل يعلم أنه ليس بمصلحة» "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص:598).
وقال رحمه الله: «فأما ما كان المقتضي لفعله موجوداً لو كان مصلحة وهو مع هذا لم يشرعه فوضعه تغيير لدين الله تعالى.. » "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص:599).
وقال رحمه الله تعالى: «بل يقال ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم له مع وجود ما يعتقد مقتضياً وزوال المانع سنة، كما أن فعله سنة، فلما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلاة وأعداد الركعات أو الحج، فإن رجلاً لو أحب أن يصلي الظهر خمس ركعات وقال هذا زيادة عمل صالح، لم يكن له ذلك، وكذلك لو أراد أن ينصب مكاناً آخر يقصد لدعاء الله فيه وذكره، لم يكن له ذلك، وليس له أن يقول هذه بدعة حسنة، بل يقال له كل بدعة ضلالة، ونحن نعلم أن هذا ضلالة قبل أن نعلم نهياً خاصاً عنها، أو أن نعلم ما فيها من المفسدة، فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له، وزوال المانع لو كان خيراً، فإن كل ما يبديه المُحْدِثُ لهذا من المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس» "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص:600) وانظر الفتاوى: (26/171-172)..
وقال رحمه الله: «فإن ترك الفعل مع المقتضي له يدل على عدم كونه مشروعاً، كترك النهي مع الحاجة إلى البيان» "المسودة" (ص298)، وانظر (ص 489-490).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فَإِنَّ تَرْكَهُ صلى الله عليه وسلم سُنَّةٌ كَمَا أَنَّ فِعْلَهُ سُنَّةٌ ، فَإِذَا اسْتَحْبَبْنَا فِعْلَ مَا تَرَكَهُ كَانَ نَظِيرَ اسْتِحْبَابِنَا تَرْكَ مَا فَعَلَهُ ، وَلَا فَرْقَ» "إعلام الموقعين" (2/284).
وأما استدلال بعضهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الاثنين: «ذلك يوم ولدت فيه»، فليس هذا دليلا على فضيلة المولد الشريف، ولا أنه سبب الصيام، فقد ذكر معه «نزول الوحي» و«البعثة» وإنما هو دليل على فضل يوم الاثنين لاتفاق هذه الأمور العظام فيه فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وفيه بعثت، وفيه أنزل علي».
فالفضيلة ليوم الاثنين الأسبوعي، وهؤلاء جعلوا الفضيلة في الثاني عشر من شهر ربيع الأول السنوي، ولم يجعلوه أسبوعياً! ولو جعلوا السرور به أسبوعياً لهان الأمر على نكارته، وصار البحث معهم فيما يشرع في هذا اليوم، ولم يرد فيه إلا الصيام فقط، ولكنهم كما يقال: «حشفاً وسوء كيلة» فجعلوه عيداً سنوياً، واحدثوا فيه صنوفاً من المنكرات والشرور، بل والبدع والشركيات، والله المستعان.
وليتفطن أن القول بأن اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول هو يوم ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لم يتفق عليه العلماء، فمنهم من حكى غيره، ومنهم من قال بأنه لم يثبت فيه دليل صحيح.
وكذلك منهم من استدل بصيام النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشورا لأنه يوم أنجى الله فيه موسى عليه السلام، فهذا أمر توقيفي، فقابل شكر هذه النعمة بالصيام، وهذا الدليل يرد به على من استدل به على مشروعية المولد، فما بال النبي صلى الله عليه وسلم يقدم حق موسى على حقه؟ فما هلاك فرعون، ونجاة موسى عليه السلام أنفع وأفضل وأكمل للبشرية من ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ما احتفل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خصه بفضيلة.
وبعد هذا:
فالناس مقابل هذه البدعة على أنواع:
[1] فريق كابر وعاند وقال بمشروعيته، وأنه من الدين، وهؤلاء قولهم ساقط ظاهر البطلان، فليس عندهم بذلك أثارة من علم، ولا هدى ولا كتاب منير، وما جاء هذا الاحتفال في كتاب الله ولا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا أتباع التابعين، وإنما هو من إحداث الرافضة العبيديين الزنادقة.
[2] وفريقٌ يقرُّ ببدعيته وإن أقرّه وعمل به واستدل له، كالحافظ ابن حجر العسقلاني حيث نقل عنه السيوطي في الحاوي قوله: «أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة».
وكذلك السخاوي يقول: «عمل المولد الشريف لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعد».
وكذلك قول خاتمة الصوفية المنافحين عن كل ضلالة محمد علوي المالكي ! فيقول في رسالته " الاحتفال بالمولد النبوي " [ص4 ] : «أيضاً إننا لا نقول بسنية الاحتفال بالمولد المذكور في ليلة مخصوصة ، بل من اعتقد ذلك فقد ابتدع في الدين».
فيكفينا منهم الاعتراف ببدعية العمل، وتركنا ما بقي لهم، فالشرع شرع محمد صلى الله عليه وسلم لا شرع فلان ولا علان كائناً من كان، حتى يأتوا فيه بما لم يأذن به الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
واقتصاد أبي بكر عمر وعثمان وعلي وسائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لنا من اجتهاد المتأخرين.
[3] وفريقٌ نفى أن يكون له علاقة بالتعبد، وأنه من الأمور المباحة، ومن الأعياد العادية التي لا يراد بها التعبد! وهذه مكابرة كالرماد الذي يذر في العيون، وإلا فواقعهم يدل على اعتبارهم له من أعظم القرب، وفيه تصنف المصنفات، وتكتب القصائد، وتغنى الأناشيد، وينبز من لم يحتفل به بكره الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم محبته، ويرون البركة في كل ما يباع فيه ويهدى ويشترى، ثم بعد هذا ولو قيل بأنه نيتهم هو العادية لا التعبدية فيقال: وهذا لا يجوز، لما تقدم من النهي عن مشابهة الكفار، ومن أن أهل الإسلام ليس لهم إلا ثلاثة أعياد، عيدان سنويان، وعيد أسبوعي وهو يوم الجمعة.
وخلاصة القول:
ما ترك هؤلاء من سنن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما جاء به من بدع ومحدثات وأكمل، ولو صرفوا أوقاتهم في نشر السنة الثابتة، والعمل بها لكان خيراً لهم لو كانوا يعلمون، ولكن (صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [سبأ: 20] فمحبة الرسول صلى الله عليه وسلم إثباتها إنما هو بنصرته، ونصرته تكون باتباعه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ونبذ البدع والمحدثات، ويتقي العبد المسلم ما يغضب الله وما يغضب الرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال لمن أحدث في دين الله ما ليس منه أيام حياته وهو شديد الغضب: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ... من رغب عن سنتي فليس مني.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتب
بدر بن علي بن طامي العتيبي
12 ربيع الأول 1437هـ
الطائف


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

من المختارات لكم (130): نفي نسبة كتاب الحرف والصوت للنووي

من المختارات لكم (147): الرد على دعدوش وكلامه في صراع نجد والحجاز ومن يحق له امتلاك الحرمين

من المختارات لكم (45): وقفات مع عقيدة حاتم العوني